سيد محمد طنطاوي

114

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي ) * لهم إلى عبادتك وطاعتك * ( إِلَّا فِراراً ) * أي : إلا تباعدا من الإيمان وإعراضا عنه . والفرار : الزّوغان والهرب . يقال : فر فلان يفر فرارا ، فهو فرور ، إذا هرب من طالبه ، وزاغ عن عينه . والتعبير بقوله : * ( دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهاراً ) * ، يشعر بحرص نوح التام على دعوتهم ، في كل وقت يظن فيه أن دعوته لهم قد تنفع . كما أن التعبير بقوله : * ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ) * يدل دلالة واضحة على إعراضهم التام عن دعوته ، أي : فلم يزدهم دعائي شيئا من الهدى ، وإنما زادهم بعدا عنى ، وفرارا منى . وإسناد الزيادة إلى الدعاء ، من باب الإسناد إلى السبب ، كما في قولهم : سرتنى رؤيتك . وقوله * ( فِراراً ) * مفعول ثان لقوله * ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ ) * والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال والمستثنى منه مقدر ، أي : فلم يزدهم دعائي شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها إلا الفرار . ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا . أي : فلم يزدهم دعائي قربا من الحق ، لكن زادهم فرارا منه . ثم أضاف إلى فرارهم منه ، حالة أخرى . تدل على إعراضهم عنه ، وعلى كراهيتهم له ، فقال : * ( وإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ، جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ، واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ، وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ) * . وقوله : * ( كُلَّما ) * معمول لجملة : * ( جَعَلُوا ) * التي هي خبر إن ، واللام في قوله * ( لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) * للتعليل . والمراد بأصابعهم : جزء منها . واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء ، أي : غطاء لرؤسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه ، ومتعلق الفعل « دعوتهم » محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، وهو أمرهم بعبادة اللَّه وتقواه . والمعنى : وإني - يا مولاي - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي فيما أمرتهم به ، لكي تغفر لهم ذنوبهم . . ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا قولي ، وإلا أن وضعوا ثيابهم على رؤسهم . وأبصارهم حتى لا يروني ، وإلا أن * ( أَصَرُّوا ) * إصرارا تاما على كفرهم * ( واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ) * عظيما عن قبول الحق . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد صورت عناد قوم نوح ، وجحودهم للحق ، تصويرا بلغ الغاية في استحبابهم العمى على الهدى .